الإسكندرية: كيف كانت.. وكيف هي الآن Alexandira Past and Present
الثلاثـاء 23 رمضـان 1426 هـ 25 اكتوبر 2005 العدد 9828
 

الإسكندرية: كيف كانت.. وكيف هي الآن

منى الطحاوي


قبل مائة عام كانت الإسكندرية مدينة كزمبوليتية يعيش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود.
ولكنها أصبحت في الاسبوع الماضي موقعا لكراهية قبيحة دفعت المتظاهرين المسلمين الى الاندفاع نحو الاحياء المسيحية ومهاجمة الكنائس والمحلات التجارية، فيما دفع ذلك مرشحا مسيحيا في الانتخابات البرلمانية التي ستجرى في الشهر القادم الى الانسحاب، وانتشار الخوف بين العديد من المسيحيين الذين لم يغادروا منازلهم. وقد قتل 4 اشخاص وطعنت راهبة بسكين في اسوأ اعمال عنف ديني في مصر منذ خمس سنوات.
وكان العنف نتيجة لمسرحية عرضت في كنيسة في الاسكندرية قيل انها كانت مهينة للمسلمين. وقد عرضت المسرحية قبل عامين. وجرت اعمال العنف بعد اسبوع من الاحتجاجات على توزيع دي في دي للمسرحية. وطبقا لوكالة الاسوشيتدبرس فإن القيادات الاسلامية اتهمت المسيحيين بتوزيع الدي في دي وطالبوا باعتذار. ولكن الوكالة ذكرت ان القيادات السياسية والأمنية اوضحت ان المتطرفين الاسلاميين هم الذين وزعوه في محاولة لتشويه سمعة مرشح قبطي في الانتخابات البرلمانية التي ستجرى في الشهر القادم في دائرة غربال. وقد انسحب المرشح.
وبغض النظر عن صدق أي من تلك الروايات، فلا بد من طرح عدة اسئلة:
> لماذا يبدو رد فعل المسلمين دائما عنيفا على الاهانات الحقيقية او غير الحقيقية؟ فقبل اسبوع نشرت صحيفة مستقلة تقريرا على صفحة كاملة لما وصفته بأنه فقرات زائفة في الانجيل. لماذا لم يخرج خمسة الاف مسيحي في شوارع القاهرة لمهاجمة المساجد وطعن امرأة محجبة بالسكين؟
> هل الاسلام هش الى درجة الحاجة لتظاهر المسلمين في الاسكندرية لحمايته؟ المسلمون في مصر هم الاغلبية، فلماذا يتصرفون وكأن الاسلام على وشك الانهيار؟
> متى سيتوقف المصريون عن نكران الأزمة ويعترفون بوجود مشكلة بين المسلمين والمسيحيين؟ في ظل الادعاء بأن كل شيء على ما يرام، وان من يجرؤ على قول عكس ذلك هو خائن او عميل من الخارج يعمل على زرع بذور الصراع الطائفي في مصر.
انا مصرية مسلمة بما يجعلني جزءاً من الاغلبية. ويمثل المسلمون 90 في المائة من السكان. وقد ظللنا نستخدم هذا الرقم لسنوات. ولكني على ثقة بأنه في حاجة الى التجديد، ولكن حقيقة عدم وجود ارقام دقيقة حول التكوين الديني هو عرض من اعرض الرفض الذاتي التي يجب مواجهته.
ولنا أن نقول هنا إننا نحتضن كأغلبية مسلمة في مصر ميزات كوننا اغلبية، ولكننا نادرا ما نحتضن مسؤوليتها. ومن بين تلك المسؤوليات الاستماع الى شكاوى الاقباط. ولم اعد استطيع حساب عدد النكات المسيئة والتعليقات التي استمعت اليها بخصوص الاقباط في مصر. والأكثر أهمية من ذلك هو التفرقة في العمل والتي تجعل من الصعب على الاقباط تسلق السلم الوظيفي، وحقوقهم السياسية مقيدة، وهم عرضة لقوانين قديمة تصر على الحصول على تصريح حكومي لتنفيذ ابسط اعمال التجديد في الكنائس. فعلى سبيل المثال، هل هناك عمدة قبطي في مصر؟ في بريطانيا نشرت الصحف نبأ انتخاب مهاجر مسلم من باكستان عمدة لمدينة انجليزية. والأقباط في مصر ليسوا مهاجرين، بل من ابناء البلاد، ويسبقون المسلمين تاريخيا، وبالرغم من ذلك لا يوجد من بينهم عمد.
كان لدينا رؤساء حكومة مسيحيون في مصر، لكن ذلك جرى حينما كانت الإسكندرية ما زالت مدينة كزمبوليتية وتعددية لا كما هي عليه الآن حيث يخاف المسيحيون من مغادرة بيوتهم، وعلى رجال الشرطة الوقوف أمام الكنائس. هذه المشاكل لا تختفي فجأة، لأن أفلام الدراما المصرية التلفزيونية قد ضمنت شخصية أو شخصيتين مسيحيتين.
نحن نستطيع أن نبدأ بحل هذه المشاكل أولا بالاعتراف بها. ثم نستطيع أن نخبر الوجوه القيادية المصرية من مسلمين ومسيحيين بأنهم قد خذلونا، إذ تطلب مرور أسبوع على العنف المتصاعد كي يبادر هؤلاء بالمطالبة بالتهدئة وضبط النفس في الإسكندرية. هناك شخص واحد عالج هذه القضية وبشجاعة، وهو ميلاد حنا، أحد المثقفين القياديين المصريين، الذي ظهر في محطة الجزيرة ليعتذر عن أي إساءة تسببت للمسلمين بسبب المسرحية.
وقد شعرت خلال مشاهدتي له كم كان أكثر مسؤولية عن الكثير من الرجال المنتمين لكلا الديانتين، لكنني لم أشعر بالرضى وأنا أشاهد شخصا من أقلية من بلدي يعتذر للأكثرية على شيء هو لم يفعله. أنا أعلم أنه قام بذلك بسبب قلقه على الوحدة الوطنية، وأتمنى لو أن الخمسة آلاف مسلم الذي خرجوا للشوارع في الإسكندرية كانوا بنفس الدرجة من القلق على الوحدة الوطنية. وأين هي الحكومة من كل ذلك؟
لكن يبدو أن إحياء ماضي الإسكندرية باعتبارها مدينة كزمبوليتية وتعددية لا يدخل ضمن أسبقياتها. ظلت كل الحكومات المتعاقبة حريصة على تجاهل الأصولية الدينية، سواء إسلامية أو مسيحية، وغالبا ما كانت تشجعها باعتبارها وسيلة لإدارة الانتباه عن التقصير الحكومي.
والى ذلك فمن بين واحدة من أكبر الأخطاء التي وقعت في تاريخ مصر الحديث، كان طرد الرئيس جمال عبد الناصر لليهود المصريين. فمن خلال هذا الإجراء دفع باتجاه تقليص روح التسامح بين الاختلافات الدينية التي ما زلنا نعاني منها، ولن نشفى منها دون أن تكف حكومتنا عن تجاهل الاختلافات ما بين المسلمين والمسيحيين.
كانت أحداث الأسبوع الماضي تذكيرا مؤلما بأن الإسكندرية القديمة، التي تعرف بجوهرة البحر المتوسط، قد ماتت منذ وقت طويل. ومع هذا الموت ذهب ما كانت مشهورة به، والإشارة هنا لروح التعددية والتسامح.



monaeltahawy@yahoo.com